علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
209
شرح جمل الزجاجي
ومذهب الفراء فاسد ، لأنّ الشرط إذا تقدمه الأمر استغنى بالأمر عن جواب الشرط فتقول : " اضرب زيدا إن قام " ، ولا تقول : " اضرب زيدا إن قام فاضربه " . وقد جاء في كتاب اللّه تعالى : وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ " 1 " . فلو كان على ما ذكر لم يأت بعد ذلك ب " أمطر علينا " ، لتقديم الأمر . وأيضا فإنّه لا يتصوّر أن يتقدّر هنا : يا اللّه أمّنا بخير إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، لأنّ ذلك تناقض ، فدلّ ذلك على بطلان ما زعم . والمقيس في الباب هو ما عدل في النداء عن " فعال " ، أو " فعل " ، أو " مفعلان " . وإنّما عدل في النداء ، لأنّ العدل لا يكون إلّا في المعرفة ، وهذه الأسماء لا تكون معرفة إلّا في النداء خاصة . فأما " فعل " فهو مختص بالنداء ولا يستعمل في غيره . وقد جاء في الحديث : " لا تقوم الساعة حتى يلي أمر الناس لكع ابن لكع " . و " لكع " هذا ليس هو الذي اختص بالنداء ، وإنّما هو صفة مثل " حطم " و " لبد " ، فيكون غير " فعل " الذي اختص بالنداء . وكذلك " لكاع " أيضا لا يأتي في غير النداء إلّا في ضرورة كقوله [ من الوافر ] : أطوّف ما أطوّف ثم آوي * إلى بيت قعيدته لكاع " 2 " وأما " مفعلان " فزعم أبو القاسم أنّه مما اختص بالنداء . وحكى أبو حاتم السجستاني أنّه قد جاء في غير النداء علما صفة وحكى من كلامهم : " هذا زيد ملأمان " ، و " هذه هند ملأمانة " ، ولذلك امتنع الصرف للتعريف وزيادة الألف والنون . فإن قيل : إنّما امتنع الصرف للصفة وزيادة الألف والنون ، فالجواب : إنّ الصفة وزيادة الألف والنون لا تمنع الصرف إلّا بشرط أن لا تكون الصفة مؤنّثة بالتاء ، فدلّ ذلك على أنّه علم ، والعلم لا يوصف به . ويمكن أن يكون هذا بدلا . فإن قيل : إنّ العرب لم تستعمله قطّ إلّا تابعا ، فالجواب : إنّه تابع على طريق البدلية ، وأمّا أن يكون صفة فلا يجوز ، لأنّ الصفة لا تكون إلّا بالمشتق ، والعلمية تذهب منه معنى الاشتقاق ، فحصل من هذا أنّه قد استعمل في غير النداء علما .
--> ( 1 ) سورة الأنفال : 32 . ( 2 ) تقدم بالرقم 77 .